كائن “الشخص ما” الذي عاش قبل الثورة

رجل بسيط نزل الميدان يوم 25 يقول “لا مهنة بعد اليوم” وبعد الثورة بشهور كنت بفتكره

25 يناير 2011 مساءً وأثناء المعركة مع الأمن المركزي في ميدان التحرير، عذرا أخطأت في الوصف والصحيح هو أثناء اعتداء الأمن المركزي علينا ومحاولاته لفض الميدان والاعتصام حتي رحيل مبارك وإسقاط النظام كما كنا نطمح، كان يدور بخاطري سؤال عن عن تبعات وعواقب هذا اليوم علي شخصي وحياتي، وأتساءل أيضا عن أهمية “كام سنة عشتهم” وما أستطيع تقديمه في الباقي من العمر.

فهذه هي المرة الأولي التي أواجه فيها الموت بهذا الشكل وبمحض إرادتي، وبدأت أسأل نفسي أيضا .. هل مساندة الفقراء ومن يقفون أمام افران العيش أو مستودعات الأنابيب هي السبب الوحيد الذي أتي بي إلي هنا !؟ هل هي ما دفعني لمواجهة الموت !؟ هل الحياة الفارغة والدائرة المفرغة التي أعيش بها هي ما دفعتني لأن أشارك وتحت شعار “أخيرا هعمل حاجة لها قيمة” !!

أسئلة كثيرة وعلامات استفهام دارت بخاطري ولم يتوقف عقلي عن توجيه الأسئلة لي إلا عندما وصلت لمنتصف “صينية” ميدان التحرير بعد هجوم الأمن المركزي من ناحية المجمع، تذكرت أنه كان يقف بجواري أم وبناتها وأني تركتهم وسارعت بالهروب بعد هطول أمطار القنابل المسيلة علينا في الميدان، عاد الصراع مرة أخري داخلي بين الأنانية والرغبة في الحياة والعودة لمحاولة العثور علي العائلة التي كانت بجانبي وسط ستائر الدخان.

كردون الأمن المركزي امام المجمع قبل فض الميدان

قررت العودة ولكن لم يسعفني القدر لأني وجدت صديقي ورفيق اليوم والعمر يتهاوي أرضا من تأثير الغاز والدخان ولم يكن هناك مفر من مرافقته حتي الخروج من الميدان، تباطئت خطواتنا في اتجاه الخروج واقترب شبح الموت من عقلي ولكنه لم يهتز له قلبي ولم أكن أحاول ان اسرع الخطي خوفا منه ولكني حاولت ان احافظ علي صديق العمر من الموت الذي ارتضيته لنفسي، لم نتحدث أو نتناقش من قبل لأعرف إذا كان قراره الاستمرار أم أنه سيعود، وكان قراري أن احاول ان احافظ عليه حتي يقرر كي لا يأخذه الموت غدرا، ولكنها سخرية القدر .. حينما وصلنا إلي شارع شامبليون تقريبا لنخرج من الميدان وقف رافضا الخروج وطالبا الموت أمام كردون الأمن المركزي ومن خلفه المدرعة التي تطلق الغاز والخرطوش.

انتهي هذا المشهد الدرامي بأننا معا نسند بعضنا البعض ونتحامل علي أنفسنا ونسير وسط مسيرة من الجموع الغاضبة التي جرفتها سيول قنابل الغاز من الميدان إلي شوارع وسط المدينة الهادئة ليلا فلا تسمع فيها إلا صدي زئير الثوار ” الشعب يريد إسقاط النظام” واستمرت المسيرة تجوب الشوارع إلي أن وصلنا إلي نفق شبرا لنجد مدرعات الأمن المركزي تطاردنا كالقطة التي تتعقب فأر في هدوء فتهجم عليه علي حين غرة، هكذا طاردتنا مدرعة الأمن المركزي فجأة انطلقت السارينة لتعلن عن بدء المطاردة في مشهد غريب كان الأول في حياتي.

قررت العودة سالما هذا اليوم وحتي أحسم أمري، وكان الأمر قد حسم بعد إضرام الأمن للنار في صدري بطلقاتهم وبغازهم المسيل للإحباط والخوف وليس الدموع فقط، غازهم المسيل آذاب الخوف من القوة العسكرية الأسطورية التي بناها نظام مبارك بعدما حولوا الميدان لما يشبه مبخرة عراف وقد ملأت السماء بالدخان وكان صوت القنابل والرصاص تعاويذ العراف لطرد الجان ألذي سكن قلوب وعقول المصريين لأكثر من ثلاثين عاما.

وبعد ما وصلت بيتنا جلست أفكر في وقفة الكشك والكروزة بالعربيات والسفر والشورتات وفتحت اللاب وعملت أبلود للصور اللي صورتها وكتبت اللي أنا شوفته اليوم ده.

أردت أن أروي شهادتي عن اليوم وخاصة بعدما شاهدت جريدة الاخبار الحكومية وهي تحمل عنوان “فشل دعاة التحريض  .. إلخ، بعدما رأيت الكذب وقارنته بالواقع قررت أن أوضح الحقيقة “للي عايشين عيشتي وبعيد عن السياسة وبيقروا الأهرام والأخبار”.

وكان القرار أن الكشك مش كشكي والكروزة مش ديني وأعلنت ارتباطي بالميدان واني هكمل المشوار، وكان رد معظم الأصدقاء ” يابني دول ملعوب في دماغهم وهيخربوا البلد، إنت فكرك أن شوية المظاهرات دي هتغير البلد! إنت بتحلم”.

كلنا هذا الشخص، بكل الخطوط العريضة في حياته .. فراغ .. تسكع في أي مكان يوميا لمجرد ملء الفراغ.

This slideshow requires JavaScript.

Advertisements