كريم فريد يكتب عن | وقفة أنثى

وحيدة في مواجهتى الأمن المركزي وسلاحه واصدقائه من البلطجية - تصوير: كريم فريد

وحيدة في مواجهتى الأمن المركزي وسلاحه واصدقائه من البلطجية –

الزمان: من 414 يوم, 18 ديسمبر 2011

المكان: شارع رمسيس أمام مبني جريدة الجمهورية

توقفت المسيرة أمام مبني جريدة الجمهورية وبدء يعلو صوت الهتاف ” الكدابين أهم .. الكدابين أهم” ..  كان الصوت قوي مفعم بالحماس والحرقة ممزوج بصوت بكاء يرج جنبات الشارع المزدحم بالسيارات والناس ..

تأملت الوجوه من حولي وشردت للحظات  … أفقت ونظرت لصديق لي التقيته في المسيرة وهمست له قائلا ” هي كليتكم كلها بنات ؟؟ .. الرجالة قليلين في المسيرة كده ليه !! ” ..

صمت للحظات ورد سؤالي بإجابة أذهلتني ” أصل احنا عندنا أمتحان بكرة والرجالة بتذاكر, أنت عارف أننا بندرس طب والإمتحان اللي بيضيع مش بيتعوض “

كان وقع الإجابة علي أشد وأكثر ألما مما مررت به قبل ليلتين من المسيرة ..

———

الزمان: من 416 يوم, 16 ديسمبر 2011 مساء

المكان: مستشفي القصر العيني القديم, المشرحة

خرج شابان من باب المشرحة ونظروا لنا وحنوا رؤوسهم نحو الأرض وانهمروا في البكاء.

لم نسأل ولكن الإجابة كانت بسيطة وسهلة الفهم .. الشهيد الموجود داخل المشرحة والذي عثر معه

على ورقة مكتوب عليها أسمه هو “علاء عبد الهادي” طالب كلية الطب الذي أصيب بعدة طلقات نارية من قوات الجيش المصري صرعته في الحال.

لم تمر دقائق ودخلت علينا سيدة في منتصف العمر تسير متكأه على رجل في مثل عمرها نظرت للشابين والدموع تملئ عيناها ..

مرت لحظات وكأنهم دهر وعلمت بما حاولت ألسننا أن تخبأه عنها فخرجت الدموع من عينيها أنهارا وجلست على الأرض وقالت لنا ” ده لسة كان بيقولي أنا عايز أتجوز .. ليه يسيبني ويمشي دلوقتي .. ده كان كلها سنتين ويتخرج ويبقى دكتور قد الدنيا” ..

لم يستطع أي  من الحاضرين أن يمنع دموعه اكثر من ذلك .. أقتربت منها ونظرت لها ووعدتها بأن القصاص لعلاء قريب واقرب مما تتخيل, لأن في صفه رجال لن يتخلوا عنه وإن تكالبت الدنيا علينا كما تتكالب الأكلة على قصعتها.

——-

الزمان: من 415 يوم, 17 ديسمبر 2011 ظهرا

المكان: ميدان طلعت حرب

اسير مسرعا ولكن بحذر ..

التفت حولي ليطمئن قلبي انه لا يوجد من يتبع خطاي …

أكتب على – تويتر – ” في بنت اتسحلت وعراها عساكر الجيش وكان جنبها واحد تقريبا مات – مش متأكد –

شوفتهم وأحنا بنجري بعد ما هجموا علينا من عند المجمع العلمي ورجعتلهم لقيتها عريانة

فضلت ازعق بصوت عالي بندور على حاجة نغطيها بيها وعشان الناس تقرب ونشيلها

هجموا تاني وأنا اتضربت بس أنا كنت صورتها وهي على الارض ونزلت الصورة

في حد شاف ده غيري .. طب في حد مصدقني .. والله شوفتها بعيني .. عايز أعرف حصلها إيه .. حد يطمني .. حد يرد عليا .. “

——–

الزمان: من 412 يوم, 20 ديسمبر 2011.

المكان: سلم نقابة الصحفيين

بنات بترسم جرافيتي على جدران المبني ..

سيدات في منتصف العمر واقفات على سلالم النقابة ممسكات بـصور “ست البنات” ..

عجوز مقعده وعيناها تحدق بالمارة ونظراتها حادة .. تمسك بورقة كتب عليها ” أيوة أنا لابسة عباية كباسين .. إيه عرفني أنكم نجسين” ..

المئات .. بل الألاف .. ألاف السيدات يقفن هنا ضد الإهانة .. وقفة تحدي لأفكار مجتمع مريض نظر للأنثي  نظرة اتهام وهي التي تعرضت للسحل والضرب وعريت من جنود جيش الإحتلال .. لم يلوموا المخطئ ولكن اتهموا الضحية ..

وبدء يعلو صوت الهتاف ..

” يا عسكر يا أوباش .. بنت مصر ماتتعراش” ..

” يا عسكر يا أوباش .. بنت مصر ماتتعراش” ..

كان في الهتاف والموقف سم قاتل لكل مريض نظر للأنثى طمعا في جسدها فقط, لكل من أعتقد أنها عصفور مكسور الجناح.

هزت أصواتهن عقيدة كل مؤمن أن المرأة موطنها ضل ولي أمرها وأن الرجل هو مثواها الأول والأخير.

قرعت أصواتهن طبول الحرب على كل من أهان سيدته واتهمها زورا وشكك في عفتها وقال ” إيه اللي وداها هناك”.

———-

الزمان: بعد ما يزيد عن 400 يوم مما سبق .. فبراير 2013

المكان: مصر

تصل لي دعوة لمسيرة نسائية ..

اتحمس لها قبل أن اقرأ مطالبها ..

اتابع قراءة ..

” رجالة مصر ماتتعراش” ..

أنتبه واتابع قراءة …

” مسيرة نسائية ترفض الانتهاكات ضد الإنسانية .. ترفض الظلم .. ترفض سحل وضرب وتعذيب وتعرية وقتل المصريين”

أخرجني من تركيزي صوت صديق وهي يقول منفعلا ” هي حصلت !! للدرجة دي عايزين تحسسونا بالإهانة .. للدرجة دي أنتوا شايفين أننا عاجزين عن حماية نفسنا “

وكان ردي بهدوء ” مش يمكن مسيرة زي دي تخلي ناس كتير تحس قد إيه هي مقصرة .. مش يمكن يفوقوا ويتكلموا بدل سكاتهم على كل الظلم والاهانات اللي بنشوفها دي ! إذا كنت انت بتعمل اللي عليك ومش بتسكت ففي ملايين شايفين ومش حاسين بأي اهانة للرجولة اللي  بيدعوها”

مر عامان من الثورة تذوقنا فيهم كل أنواع الألم .. مرت الأيام  .. تغير الحاكم ولكن الوضع لم يتغير .. لا زالت السلطة هي السلطة تغيرت الوجوه والأسلوب واحد .. رافعة لشعار ” الكل مهان .. ولا عزاء للإنسان” ..

عريت الأنثى .. عري الرجل .. قتلت الأنثي والرجل .. أعتقلت الأنثي والرجل ..

الكل مهان  .. في ظل حكم العسكر والإخوان ..

Advertisements