كريم فريد | يوما ما سوف يبتسم حنظلة

21

“أخطأ من لقب القاهرة ب” المدينة التي لا تنام” فلسطين ايضا لا تنام فتسهر ليلتها في مستشفي الشفاء بين جراح المصابين وترقب لارتقاء شهداء فداءفلسطين “ تلك كانت أول تغريدة كتبتها على حسابي باحد موقع التواصل الاجتماعي بمجرد ان وطأت قدماي المنفذ المصري من ميناء رفح البري, بعدما رأيت غزة الجريحة وبعدما حققت اهم أحلامي بزيارة أرض فلسطين لدعم قضية الحق ولنصرة من يحاولون استرداده بمواجهة من اعتدوا على كل حق وزورا كل حقيقة في سبيل تحقيق اطماعهم وإن كانت على أشلاء الإنسانية.

قررنا زيارة غزة بعد بدء العدوان الإسرائيلي عليها بعدة أيام من اجل أهداف عدة على راسها التضامن مع الشعب الفلسطيني والتأكيد على مكانة القضية الفلسطينية في قلوبنا بوجود اكثر من 550 مصري تحت القصف ووسط أجواء الحرب معهم ووسط الجرحي والشهداء, والتأكيد علي أحقية كل مواطن مصري أو فلسطيني بالعبور إلى الجانب الاخر دون عقبات ودون تعقيدات ودون تنسيق فلا يوجد مصري يستطيع التنسيق مع رئاسة الجمهورية في مصر وإن استطاع فلن يستطيع التنسيق مع حماس, وأيضا طالبنا السماح بعبور قوافل الإغاثة والمساعدات الطبية  وفتح المعبر امام الحركة التجارية وبذلك ينتهي الحصار فعليا على قطاع غزة الفلسطيني.

1- الطريق إلي غزة …

طالما حلمت بان تبدأ هذه الرحلة, دونت عنها الكثير واحببت من احب أن يحلم بها وببدايتها , ولكن كل الأحلام كانت غير  مشروعة لأن السبيل لتحقيقها غير شرعي, وكان السبيل الوحيد لها هو النفق المعرض للقصف في أي وقت وإن عبرت سالما فلن اسلم من بطش السلطة في غزة.

وإن لم اطعها وتجاوزت هذه الصعاب في العبور وفي التعامل مع ذلك الفصيل وعدت إلى الأراضي المصرية فلن أفلت من أيدي المخابرات العامة المصرية وجهاز مباحث أمن الدولة المتفرغ لقمع أي نشاط سياسي وخاصة الداعم للقضية الفلسطينية.

وحينما اقترب الحلم من ان يتحقق وذهبت لنقطة التجمع لاول قافلة دعم شعبي مصرية تحاول الوصول إلى الأراضي الفلسطينية بعد تولي الرئيس محمد مرسي وجماعته مقاليد الحكم في مصر راودتني العديد من المخاوف والتساؤلات هل ستحضر الأتوبيسات في موعدها ام ستتلقي أوامرها من أمن الدولة وتتجاهلنا ؟؟ أم ستتحرك القافلة ويتم توقيفها عند كوبري السلام صراطنا الوحيد إلى شمال سيناء ومعبر رفح ؟؟ وكانت اكثر التساؤلات تفاؤلا حينما تخيلت أن القافلة ستتمكن من الوصول إلى معبر رفح وتعتصم امامة مطالبة بفتح المعبر امام المساعدات وقوافل الإغاثة والمواطنين في كلا البلدين دون تنسييق مسبق بين القيادات السياسية,.

وبعدما  بدأت القافلة في التحرك وانطلقت في طريقها إلي معبر رفح رأيت وضع غير الوضع فكان أول وفد مصري شعبي ثوري في تاريخ مصر تقوم قوات الشرطة بتأمينه ودعمه وتذلل مايواجهه من عقبات.

وازدادت دهشتي حينما وصلنا للمنفذ المصري  إلى غزة ووجدنا قوات الجيش والشرطة التي طالما قمعتنا واعتدت علينا خلال عامين من الثورة المصرية وهي ترحب بنا بكل ود وحب في معبر رفح وتنهي اجراءات سفر اكثر من 550 مشارك في القافلة في وقت قياسي وبتسهيلات مبالغ فيها على عكس الروتين المصري المعتاد والعجرفه المزروعة بداخلهم والتي يعاني منها كل الشعب المصري  أثناء محاولة إنهاء أي اجراء لدي مصلحة حكومية.

 

ولم يحدث كل هذا إلا عندما هددنا بالاعتصام أمام المعبر إن لم يسمح لنا بالدخول.

وبعد توتر صاحبني اكثر من 11 ساعة منذ بداية الرحلة من امام نقابة الصحفيين في القاهرة .. أخيرا استلمت تصريح دخول أرض فلسطين الجارة الجريحة والأم الثكلى.

2- غزة فلسطينية ام  “حماسية”

بعد انتهاء اجراءات استخراج التصاريح اللازمة لعبور المنفذ من الجانب المصري أخبرنا الشخص المكلف بالتنسيق مع الجانب الفلسطيني ان هناك عدد من الحافلات سيكون في انتظارنا ليقلنا إلى مركز مدينة غزة  , وبعد استقلالنا للحافلات وجدنا من يطلب منا تصاريح وجوازات السفر الخاصة بنا فتعامل كل أفراد القافلة مع الأمر بحسن نية على انه أمر طبيعي لتسهيل اجراءات عبور المنفذ من الجانب الفلسطيني ولكن اكتشفنا انه لتقييد حركتنا ومنع أي فرد من التجول في غزة وكأننا قطيع يساق.

واستمرت الظاهرة الحماسية في التجلي ولكن استقبال طائرات الصهاينة كان أروع بقصف متواصل لجوارنا وبمجرد عبورنا للجانب الفلسطيني للمعبر ودخولنا للأراضي الفلسطينية وكان رد المصريين بهتاف قوي ضد القصف وطالت الروح المعنوية السماء  وكان اللحظة التي طالما تمنيناهاوالهتاف الذي بحت به اصواتنا لسنوات الآن يتحقق “ع  القدس رايحين شهداء بالملايين” والكل ينتظر الشهاده ويتعجل المواجهه ويتعجل الوصول إلىغزة ليفتك بعدوه.

دار داخل عقلي حوار سريع بعد دخولي غزة فسألت نفسي “هل أنا هنا لدعم الشعب ام السلطة ام المقاومة ام حماس ؟” وكانت الإجابة اسرع مما اتخيل فأعلنت ان دعمي للقضية الفلسطينية بكل ما تحتاجه سواء الدعم المعنوي للشعب الفلسطيني أو دعم المقاومة ولكني لن أدعم سلطة استمرت في منصبها على الرغم من انتهاء ولايتها ورفضت اجراء انتخابات لفترة تزيد علي 6 أشهر، وجاءت الحرب لتعلي اسهمها امام الشعب بعد ما اغرقته في المشاكل الاقتصادية والحياتيه والتي دفعت عشرات الفلسطينين للانتحار هربا من الفقر والجوع.

أنا ادعم فلسطين وادعم قضية الحق المغتصب واسعي لاسترداده .

3- عن تعريف اسرائيل لمصطلح “مدنيين”

شد انتباهي خلال الطريق من مدينة رفح الفلسطينية إلى مدينة غزة أن القافلة نالت ترحيب قوي وحار من الأشباح فالطريق خالي تماما من أي مارة  والشوارع هادئة ولا أرى غير بيوت مشوهه أو انقاض، ومع اقترابنا من المدينة وجدنا من يحيينا ونشد من أزره ونشير له بعلامه النصر واقول له بصوت عالي وبلهجة مصرية خالصة  “احنا هنا عشانك خليك صامد”, علمت فيما بعد حينما تحدثت مع عدد من أبناء المدينة أن من يسير في الشارع بعد حلول الظلام يضع نفسه في مرمي نيران الطائرات الصهيونية وذلك سر خلو شوارع المدينة من المارة.

وبمجرد وصولنا إلى مستشفي الشفاء المركزية في قطاع غزة لم تتوقف صافرات سيارات الإسعاف حاملة شهداء وجرحي وأطفال ذهبوا مع عائلتهم بالكامل للقاء ربهم الكريم , مثل ماحدث مع عائلة “الدلو “ التي قامت اسرائيل بقصف منزلهم فاودت بحياة 10 من أفرادها منهم نساء وأطفال وشيوخ .. فهل هؤلاء هم المقاتلين الارهابيين الذين تبحث عنهم قوات الإحتلال داخل القطاع !!

هل استهداف سيارة في وسط الطريق العام وسط المدنيين بصاروخ طائرة هو عمل نبيل يجب ان نشكر عليه الكيان المحتل لاراضينا !! هل علينا أن نصمت على كل مايرتكبه من جرائم تجاه اهلنا في غزة

وتذكرت ماكتبته من قبل حينما استنكرت الصمت والتجاهل العربي قائلا ” انتابتني حالة من الدهشة، وأنا أتابع أخبار العدوان الصهيوني على غزة، ليلة الأحد، من سرعة تبرير الحكومة الإسرائيلية لقصف مدفعية الاحتلال لحي الشجاعية شرق فلسطين. مدعين أن القصف يستهدف فصائل المقاومة المسلحة، التي استهدفت المدنيين العُزّل في وقت سابق. وأكدوا عددا من المرات على ذلك. حينها، عجز المنطق على أن يوجد تفسيرا لهذه التصريحات، وتذكرت المثل المصري: “ضربني وبكى .. وسبقني واشتكى”.

فلمن الحق اليوم !! ومن المعتدي والمجرم !! ومن المعتدى عليه والمظلوم!! من هو المدني الذي تم استهدافه !! ومن المسلح الذي قتل البرئ واستهدف الأطفال وكبار السن والنساء !!.

واستمرت حالة الدهشة والحزن تصحبني، وأنا أتذكر ابن الدُرّة شهيدا، وكيف اقتنص رصاص الجنود الإسرائيليين روحه من حضن والده. وأتذكر مدينة “جنين” التي صرخت مرات من هول ما رأت من مذابح. وأتذكر الانتفاضة برمتها، ومقتل المئات برصاص الإسرائيلين. وأتذكر الحرب على غزة في 2008، وما خلفته من دمار. وأتذكر دير ياسين، وبئر السبع، وتدنيس الأقصى من جنود الاحتلال، واقتحامه، وانتهاك حرمته، والاعتداء على المصلين فيه .. وأتذكر وأتذكر وأتذكر .. رأيت مئات المشاهد أمامي لجرائم اسرائيلية في حق “صاحب الحق”، المجبر على أن يصمت بعد كل جرح، وبعد كل جنازة يودع فيها شهداء الحق والمقاومة. وإن تكلم، سارعت مئات الألسنة لتلعنه، ومئات الأيدي لتخرسه .. فمن المعتدي ومن المعتدى عليه !!”

4- رأيت في غزة

رأيت في مستشفي الشفاء مأساة انسانية واطفال شهداء و10 شهداء من عائلة واحدة واخ استشد اخويه واطباء لا يناموا وسيارات اسعاف لا تتوقف وقصف مستمر

الاحتلال وهو يقيم حفل على شرف وصولنا إلى المدينة فكان يقصف الاماكن المجاورة لمكان تواجدنا في رفح وغزة اكثر من مرة.

شوارع يسكنها الاشباح ويهجرها الناس خوفا من ان تصيبهم قذيفة مدفعية أو بارجة أو صاروخ من طائرة.

مستشفى بها مئات الجرحي والشهداء يقطع عنها التيار الكهربائي وذلك لنقص الطاقة في المدينة وسيارات إسعاف تعمل بالتناوب لأن المدينة ليس بها مايكفي من الوقود.

أطباء يعملون تحت ضغط الحرب لأكثر من 72 ساعة متواصلة  وذلك لنقص الموارد البشرية والكوادر الطبية في المدينة.

رايت في غزة اهل لست بابنهم يحتفلون بوصولي ويتوددون الي ويتفننون في تقديم واجب الضيافة بكل حب وود علي الرغم من بساطة وضعهم المعيشي وقلة حيلتهم وحياتهم التي افنوها في خدمة القضية وفي مواجهة الإحتلال.

قابلت في غزة أصدقاء أتوا إلي بحصادهم من الشهامة ليتصارعوا على من فيهم الذي سوف يستضيفني في منزلة والكل يرحب بي لاني مصري خاطرت بحياتي لأكون معهم وأعاني مما يعانوا منه وأسمع مايثير الذعر في نفوسهم فيطمئنوني واطمئنهم … دائما النصر قادم والحق واضح والصمود سبيل وحيد وغيره الهزيمة والهلاك.

رأيت في غزة مصور يبكي من  هول مارآه من استهداف للأطفال والنساء ومن شهداء وجد قطعة منهم ولم يستطع أحد العثور على بقيت اشلاءهم بعدما فتتتها قذيفة للعدوفتحول البطل إلى اشلاء تذروه الرياح.

رأيت في غزة ملهمي من علمني قديما ان احمل الحجر وأواجه به السلاح المصوب إلي جسدي ولا أهاب الموت ويعلمني دائما معنى الصمود ونبذ اليأس والأحباط وأن اهب شهدائي للقضية فالأرض والحق يستحقوا كل غالي.

 زيارة غزة منذ أيام لم تكن نهاية حلمي بتحقيقة، لكنها فتحت جراح لن تندمل الا بصراع طويل واحلام اكبر من مجرد زيارة ارض فلسطين والتواصل مع شعبه, فالأن حملت رسالة من أهل غزة ويجب علي ان أكون أمينا عليها وانشرها بقدر ماتستحق واحقيتها تأتي من المأساة التي عشتها ورأيتها على الأرض, فلسطين كانت وستكون أبدا أبية مقاومة رافضة لكل ظلم صامدة في وجه أي ترسانة عسكرية وفي يوم ما سيعود صديقي اللي تعرفت عليه تحت القصف إلى مدينته اسدود وسيعود آخر إلى يافا وسأزور حيفا كما زرت غزة وستكون القدس منتهايا معلنا انتصاري على كل ظالم … عاشت فلسطين .. عاشت فلسطين .. وستعيش أبدا ويوما ما سوف ترسم الابتسامة على وجه حنظلة.

المقال نشر يوم 24 نوفمبر 2012 في موقع بيت الحوار
 ونشر ايضا في جريدة الأخبار اللبنانية
Advertisements