كريم فريد يكتب: سويت ديسمبر, دقت ساعة الاحتفال

كريم فريد

سويت ديسمبر، دقت ساعة الاحتفال

مميز عن كل الشهور، يمتلئ ديسمبر باحتفالات ذات طابع خاص خاضتها سنوات الثورة والأمل والحلم كانت دائمًا معقودة به، وكان الأكثر سطوة بين الشهور بصندوق دائمًا ما كان يبهرنا.

—————————-

الاحتفال الأول:

كان يركض مبتعدًا، يحاول أن يحافظ على كل ما تبقى لديه من قوة لكى يستمر فى الركض رغم أن قوته أنهكت تمامًا ولم يعد قادرًا حتى على التنفس..

لم يتمكن طوال المسافة التى قطعها ركضًا من أن ينظر خلفه.. أو أمامه.. كان يركض فقط متأثرًا بما رآه.. ولم يكن يرى سوى صورتها أمامه عارية ويسمع صوت ارتطام أحذيتهم بجسدها الضعيف..

حينما اقترب من ميدان طلعت حرب أفاق من صدمته وامتلكته حالة من الهيستريا.. لا يدرى ماذا يفعل..

أخرج هاتفه وكتب على –تويتر– (فى بنت اتسحلت وعراها العساكر الجيش وكان جنبها واحد تقريبًا مات –مش متأكد-

فضلت أزعق بصوت عالى بندور على حاجة نغطيها بيها وعلشان الناس تقرب ونشيلها..

هجموا تانى وضربوني وجرينا..

فى حد شاف ده غيرى.. طب فى حد مصدقنى.. والله شوفتها بعينى.. عايز أعرف حصل لها إيه.. حد يطمنى.. حد يرد عليا).

ولكنه تجاوز صدمته بصدمة أخرى بعدما جاءه ذلك الأتصال الهاتفى من صديق الميدان..

– إيه اللى حصل!! بيقولوا فى التلفزيون إنكم حرقتم المجمع العلمى، وإن فى بنت اتعرت على إيد العساكر، وبيقولوا إنها اللى عملت كده فى نفسها علشان تورطهم..

– كذابييين.. والله ده محصلش.. والله شفتهم بعينى.. هم اللى حرقوا المبنى من جواه وسحلوا البنت وعرّوها..

– بجد!! طيب خلى بالك من نفسك إحنا فى جنازة الشيخ عماد عفت, تخلص وهنجيلك.

وبعد عدة أيام، انتهى الاحتفال، ورفعت أرواح 23 شهيدًا منهم الصديق علاء عبدالهادى والصديق أحمد منصور والشيخ عماد عفت*، وكذلك احتفل الحاقدون علينا؛ فمنهم من أعتبر حفلنا مؤامرة خارجية للعبث بمقدرات الوطن والآخر اتهم الشهداء بأنهم قتلوا أنفسهم نكاية فى العرس الديمقراطي.

——

الاحتفال الثانى:

كان كالفراشة يطير بين الحشدين يلتقط الصور، يسجل تلك اللحظة التاريخية التى التقيا من أجل الاحتفال.. لأن هذه سُنة ديسمبر.. ومثلما أرادوا.. شاع الدفء ووصل الصخب المدى بهجوم حشدًا آخر أكبر على الحشد الأصغر من ظهورهم .. نجحت الخطة وفتكوا بالعزل.

حينما سمع سليمان النمل خائفًا من أن تدمر مساكنه، ابتعد بجيشه رأفة بهم لأنهم من خلق الله.. لكن جيش الجماعة لم يعتبر أن ذلك الحشد الضئيل من خلق الله.. فهجموا بشراسة, كالسيول جرفوا كل ما فى طريقهم.

أمسكوا به مرددين (الله اكبر.. الله أكبر), وكان عدو الله -على حد وصفهم- يصرخ ( أنا صحفى )، ويكرر تلك الكلمات مرارًا وتكرارًا .. حاولوا الفتك به بكل السبل.. هذا يحاول أن ينتزع الكاميرا.. و ذاك يضربه فى بطنه.. وغيرهما لم يجد مكانًا فى جسده ليضربه فأمسك به من شعره إمعانًا فى التنكيل به .. وآخر لم يرد أن يفرط في حقه، ففتح الحقيبة التى يحملها الكافر عدو الله على ظهره, وجد (علبة كتافلام مسكن) فاستولى عليها ليضمها للغنائم مع الكاميرا وما اغتنمه من خيام أعداء الله المعتصمين بجوار أسوار قصر الخليفة.

واستمرت الحرب، شيدوا معتقلات للأسرى, النساء والرجال .. الشباب والعجائز.. إهانتهم وتعذيبهم وقتلهم حلال لوجه الله, وجاءتهم البشرى مع سقوط أول قتيل بين صفوف الحشدين .. فاستنشقوا عبير الجنة.

أنتهى الاحتفال بهزيمة أعداء الله وأنصاره.. وأنتصر شبح الموت الذى لم يدع الحفل يمر دون أن يضع لمسته الجمالية؛ فحصد أرواح 11 فردًا من المحتفلين منهم الشهيد الصديق (الحسينى أبوضيف)**.

من جانبهم, أعلن المجاهدين جماعة أنصار الدين والشريعة أن الاحتفال كان لحماية القصر وكان على أعداء الله أن يتراجعوا حتى لا تراق الدماء, بينما رد أنصار الخراب -على حد وصف المجاهدين- أن الحاكم قاتل ويجب أن يحاكم..

وبعدما رفعت رءوس القتلى على أسنة الرماح، ظهر الخليفة أخيرًا ليلقى خطبة إلى الأمة، وأعلن أن أنصار الخراب لن يفلتوا بـفعلتهم، وأنه سوف يحاصرهم فى الحارة المزنوقة حتى يقتص لأصبع خادمه الذى أصيب أثناء مرور الموكب.

——————-

بضعة أسابيع تفصلنا عن يناير المتمم لثلاث سنوات عجاف لثورة الألم، لم يدخر فيها ديسمبر أى مجهود لإسعادنا؛ ولذلك له معزة خاصة عند الثوار وعند كل مجاهد فى غزوات الصناديق المباركة وكل صاحب كرسى أو مصلحة يدافع عنها باستماته، ضاع فيهم الألم العظيم بين غيوم آلام أعظم واستهلك حتى تحول إلى مادة للسخرية والتندر على الآخر، والموت والدم والمعاناة أصبحوا جزءًا من حكاياتنا اليومية، وتحولت أحلام الثورة إلى كوابيس وتحولت الأهداف إلى هدف واحد وهو القصاص للشهداء من قاتل، وخلف القاتل عددا من القتلة فكانوا أبشع خلف لأسوأ سلف، وقائمة أسماء الشهداء اكتظت بالآلاف وتحول القصاص من هدف فى متناول اليد إلى أسطورة إغريقية لا منطقية ولا واقعية.

ورغم برودة الألم وأوجاعه لا يزال دفء الأمل باقيا فى نفوسنا، وما زالت هاماتنا عالية لا ترضى إلا بما أراده الراحلون عن دنيانا العابثة البائسة.. لم تنقطع صلاتنا لهم ولم ينضب إيماننا بأحلامهم ..

السلام عليكم أهل السماء..

يا من كنتم رفاق الأرض والدرب والحلم والضرب..

اشتقنا لكم وافتقدنا وجودكم بيننا..

نتذكركم ونحبكم فى الثورة التى أحببتمونا فيها..

يا رفاق.. إنا للعهد حافظون.. لم نزل منصورين.. ولن نهزم..

 

**هذا المقال ساخر، والأحداث الواردة به خيالية ولا تمت للواقع بصلة، وأى تشابه بينه وبين الواقع فهو ديجافو يسأل عنه عقلك الباطن.

المقال نشر بمجلة 7 أيام بتاريخ 24 ديسمبر 2013

المقال نشر بمجلة 7 أيام بتاريخ 24 ديسمبر 2013

Advertisements