كريم فريد يكتب: النهاية لم تنتهِ بعد ..

image

كريم فريد

النهاية لم تنتهِ بعد ..

كلما سيطر عليه الحنين, كان يذهب إلى هناك, إلى نقطة إلتقاء شارعي الحلم والذكريات اللذان يصبان في ذلك المكان الواسع الفسيح الذي جمعه بها مرات ومرات .. رآها تتراقص وحدها, يكاد يراها بصعوبه بسبب الأيادي التي تتصارع حولها لتنال منها وتمسكها. مد يده ليشدها إليه لينقذها من بين أيديهم ويرقصا معا على نغمات أنفاسهما ودقات قلبيهما المتسارعة فينسابا بين طيات الحنين إلى كل ما مضي, والحزن على ضياع كل ما هو آت.

كما يري النائم, كانت تلك رؤياه مستيقظا بينما كانت مشاعره المتناقضة المضطربة تعتصر قلبه بين ضلوعه, كان شوقه ورغبته يدفعانه ليمسك يدها برقة, فتجتاح بهجة اللقاء لأحزان الغياب راسمة أبتسامة عريضة على شفتيه, وكان يمسك الألم بأذيال ثوبه ويذكره بما مضي من عذاب وما رآه في هذين الشارعين وما تناقلته الألسنة عن علاقتهما وما تعرضا له من ضغوط ليفترقا وما فعله ليدافع عنها واستسلامها لسلطة اعمامها وما فرضوه عليها.

——————-

مثقل الخطى يمشي وحيدا في ممر طويل يكتظ بالبشر -المألوفة وجوههم- بين جداريه اللذان تصدعا من صراخهم وتدافعهم .. 

” لو سمحت, فين غرفة العناية المركزة؟ ” سأل وهو يحاول بجفونه كبح جماح دموعه.

“روح دور عليها, وأنا مالي” أجاب الشخص بـفظاظة واستدار ليكمل صراخ في وجه أخر…

لم يتعجب وأكمل طريقه باحثا عن الغرفة, بعدما وضحت هوية الأشخاص الذين شبهوا له من إجابة ذلك الشخص الحاد الطباع الصارخ دائما, إنهم أبناء عميها اللذين يعادونها من أول يوم قدمت فيه للحياة ببرائتها التي لم تخف على بصير, يتفقان أحيانا وأخري يختلفان ولكن كانوا على عهد قطعوه سويا يوم ولادتها .. أن يحسنوا استغلالها – كل منهما بطريقته-.

وقف اخيرا أمام غرفتها محاولا أن يتجاوز المتشاجرين أمامها حتى يصل إلى الباب .. 

وبعد معاناة وشد وجذب ولكمات نالها من المتشاجرين  .. دخل الغرفة .. 

————————

نائمة على سرير كانت, غائبة عن الوعي, لا تزال روحها معلقة بـجسدها الهزيل بفضل أسلاك الأجهزة الطبية التي تحاصره, بـجوارها يقف عماها, اللذان ينفر منهما الشياطين قبل الملائكة, يتنازعان على نصيب كل منهما في الإرث بعدما اتفقا أمام جسدها الهالك على إبقاء روحها عالقة به بمساعدة الأسلاك التي تحيطه حتى يصلا إلى أتفاق مناسب بشأن تقسيم ميراثها عليهما.

كان يخرج كل منهما يخطب في أبنائه مدعيا إرسالها لتحياتها لهم وأنها تكره وجود أبناء الأخر أمام غرفتها, كانوا يلقون كرات اللهب على براميل الوقود سهل الإشتعال, وكانت تؤتي كلماتهم ثمارها سريعا, فتحولت المستشفي إلى ساحة حرب بين انصارهما.

صرخ  من هول ما رأي, ولكن لم يلتفت إليه أحدهما, تكرر صراخه رافضا تمثيلهم بجثتها ومحاولتهم استغلالها حتى أخر قطرة من دمها, هاجمه كل منهما واتهمه أنه اتي ليساند الآخر, واستمر الجدال والصراخ والاتهامات .. ولا حرمة لميت أثناء تقسيم إرثه..

———————-

تركهم يصرخون وابتعد .. ذهب إلى جوارها .. ركع على ركبتيه وأمسك يدها, حدثها لعلها تسمعه, أبلغها رفضه لما يحدث, أبلغها أنه لم يعد يطيق ما يفعلونه بها .. 

لم يعد يقوي على حصار دموعه, أنفجرت براكين الدموع من جفونه وكذلك أنفجر من داخله, حدثها معاتبا ” لماذا استسلمتي لهم !! لماذا فارقتيني !!”, وأزداد نحيبه وهو يرجوها أن تقبل اعتذاره وتسامحه لأنه لم يستطع أن يستمر في حمايتها والدفاع عنها بعدما أنهكت قواه وهو الشاب الأعزل الحالم صاحب المبادئ الساعي للحق والخير ونشر العدل بين الناس وهم العجائز أصحاب المال والنفوذ وأدوات البطش الساعين لمصالحهم فقط … ولكن لم يحيي البكاء أبدا ميتا.

———————–

وقف وقد حسم قراره بكتابه سطور النهاية لذلك الاستغلال والظلم للجسد الميت, ذكرياته معها تحاول أن تمنعه ولم تستطع, أمتدت يده تقطع الأسلاك التي تعلق روحها بجسدها الهالك ..

أطاح بكل الأجهزة التي تحيط بها كما اطاحت به طعنات استغلال عماها لها, قرر أن يرحم روحها وذكراها ويخرجها من مستنقع عماها القذر .. 

وسط ذهول أبناء أبليس, سار بخطي ثابته نحو باب الغرفة وخرج ليخاطب أبناء عمومتها .. من أمن منكم بـالثورة السلمية فالثورة قد ماتت .. ومن أراد أن يعلي رايتها ويحقق ما عاشت لأجله فمبادئها حية لا تموت, استغلالكم لدمائها وتبعيتكم لأبناء أبليس لن يشف وطن مثخن بالجراح وصراعكم لن يقيم دولة عدل وحق .. استقيموا يرحمكم الله. 

كريم فريد

29 ديسمبر 2013

Advertisements