كريم فريد: رسالة إلى صديقي محمد الدرة

  اعيدونا إلى أرض ابائنا وأجدادنا - فلسطين  - كريم فريد : رسالة إلى صديقي محمد الدرة

صديقى محمد الدرة،

قليلة هى المشاهد التى تنفذ من العين والأذن لتُحفر فى ذاكرة الطفل، وتكون الحجر الأول فى بناء شخصيته وتشكيل وعيه وصناعة مستقبله، لحظة استشهادك كانت أبرز ما عشت فى طفولتى، لم أنسَها حتى اليوم أتذكر كل تفاصيلها وكأننى أعيشها فى كل يوم، وبالفعل كنت داخل ذلك المشهد مرات ومرات خلال آخر ثلاث سنوات من عمرى.

الثلاثون من سبتمبر عام 2000، اليوم الثانى من الانتفاضة الثانية لفلسطين، كان أبوك جمال الدرة يحميك بجسده وأنت ابن اثنى عشر ربيعًا، تختبئان خلف برميل أسمنتى، بعد أن أوقعكما حظكما العثر فى مرمى نيران جنود الاحتلال الإسرائيلى، كنت أراك وأنت تُقتل برصاصهم، رأيت أباك وهو يشير لهم بيده ليتوقفوا عن تصويب الرصاص عليكما، رأيتك وأنت تُحرِّك رأسك لآخر مرة وتخبئها خلف جسد أبيك…

“مات الولااااا برصاصهم.. مات الولااااا برصاصهم” كان يصرخ المصوّر طلال أبورحمة، وأسمعت صرخاته الملايين فى بيوتهم أثناء رؤيتهم لمشهد قتلك برصاص المحتلين.

“بابا.. هم ليه بيضربوا عليه رصاص!! هم ليه بيعملوا كده!! هو عملهم إيه طيب علشان يموّتوه!! هوَّ ليه العرب مش بيدافعوا عن فلسطن.. يا بابا مش فيه اتفاقية دفاع مشترك؟ مش فيه جامعة عربية بتجمعهم؟!”.

أسئلة كثيرة وجهتها لأبى بعد بث مشهد قتلك على شاشات التلفزيون واندلاع الانتفاضة، لم يستطع الإجابة وترك الأيام تجيبنى، أعوام وأحداث وشهداء كثر أجبروا عقلى الصغر بفطرته أن يجيب، أجبروا الطفل على أن يهتدى إلى إجابات تلك الأسئلة.. لماذا قتلوا من هو بمثل عمرى؟ لماذا يحمل الأطفال الفلسطينيون الحجارة ويواجهون مسلحن ودبابات بدلاً من الذهاب إلى المدرسة مثلى؟ لماذا تهدم الجرافات المنازل؟ ما هى فلسطن التى تتردد على مسامعى.. طالما الحق مع أهلها لماذا يحدث معهم ذلك؟.. يقال أننا عرب وأنه يجمعنا أرض وثقافة وتاريخ واحد.. لماذا يُقتلون وحدهم؟! أين نحن من ذلك؟

“بيقولوا إن صدام عنده أسلحة دمار شامل وأسلحة كيماوية”، هكذا أجابنى أستاذى فى المدرسة حينما سألته عن أسباب غزو الأمريكان للعراق بعد استشهادك بعامين، لم أكن أحب صدام، وكنت أشعر أن محمد سعيد الصحاف كاذب، ولكن كنت أكثر وعيًا وحاولت استنتاج أسباب ترك العراق وحيدة فى مواجهة الغازى، وتكررت الأسئلة مع الحرب على لبنان فى 2006 ، وبعدها الحرب على غزة فى 2008، قرأت خبرًا مفاده أن الرئيس المصرى حسنى مبارك رفض دعوة بعض الدول العربية لعقد قمة عاجلة وتفضيله لمناقشة العدوان الإسرائيلى على غزة على هامش اجتماعات القمة الاقتصادية العربية فى الكويت.

ملهمى، أرجوك لا تمل من رسالتى، وسامحنى إن أطلت عليك ولكننى أريدك أن تعلم كم أثّرت بوعيى وشخصيتى..

بعد عشر سنوات وأربعة أشهر من استشهادك، قامت ثورة فى مصر رأيت مئات المشاهد مثل التى حدثت بوطننا فلسطين ولكنها كانت أصعب علىّ، رأيتك فى طفولتى تقتل برصاص الاحتلال ورأيت فى كبرى أصدقائى يقتلون برصاص أبناء وطنى، كنت أراك كل يوم وكأننى فى اشتباكات عند حاجز قلنديا أو محاصر فى مخيم جنين، كنت أقف مثل أقرانك وزملائك فى المدرسة .. كنت أحمل الحجارة لأواجه بها الرصاص، وكنت أقذفها ليصبح حلم الحرية واقعًا أعيش له وبه.

رأيت يوم استشهادك تخاذل العرب وتخاذل من يجلس على كرسى حكم مصر وقائد جيشها الذى تحدثت عنه المناهج التى يلقنوها لنا فى المدارس، بدأت أقرأ وأتابع وأبحث عن الحقيقة، علمت أنك هجّرت من أرضك وبيتك وسكنت المخيم علمت أن الآلاف هجّروا مثلك والآلاف أيضًا قتلوا مثلك، “ليه بيموتوا؟! ليه الدم؟! ليه بيقتلونا؟!”.. كنت أحدث نفسي أحيانًا خلال لحظات الإحباط التى مررت بها خلال ثلاثة أعوام من الثورة، قائلا ما أشبه اليوم بالبارحة..

بالأمس الضمائر فى أسئلتى كانت تعود عليك وعلى أقرانك واليوم أسأل نفس الأسئلة ولكن كل الضمائر تعود علىّ، الأمس كنت أرى مشاهد تشييع جنازات الشهداء عبر التلفزيون واليوم أسير فيها ويشاهدها أقرانك عبر نفس التلفزيون مع اختلاف المكان والزمان والقاتل، ولكن المقتول وسبب قتله دائمًا واحد..

كان لابد أن يثور من شهِد قتلك، كان لابد أن يرفض الذل والتخاذل والخضوع للمحتل باسم السلام، كيف أخضع للسلام مع من قتلك وأنت منِّى؟! كيف أخضع للسام مع مَن شرَّد أهلك وطردهم من بيوتهم؟!

كيف أخضع للسلام ويحكمنى من وعدوا أجدادك بأن يعودوا إلى بيوتهم بعد أيام، ومر 65 عامًا ولم يعودوا؟! كيف أخضع لنظام يروّج الأكاذيب عن بيع أجدادك لأرضهم؟! كيف أخضع لمن زوّروا التاريخ وجمّلوا الواقع وسرقوا الحلم وزرعوا الإحباط؟!.

يا صديقى، هل تعلم كم أنا حزين لما آلت إليه ثورة مصر؟ هل تعلم أنها انتهت إلى ما انتهت إليه الانتفاضة؟ مئات الشهداء والمصابين حصيلة عشرات المعارك التى حركها الغضب وحده؟.

دبّرنى يا صديقى، أخبرنى ماذا أفعل لكى لا ينتهى بهم الحال إلى ما انتهيت إليه؟ كيف أحفظ ذكراهم دون أن تزوّر الحقائق وينجو القاتل بفعلته ويصبح أهلهم المتهمون بقتلهم مثلما حدث معك؟.. أخبرنى ماذا ترى من موقعك فى السموات العلى، ما هو المخرج؟ كيف يعود الحق لأصحابه؟

سامحنى أن أطلت عليك برثرتى ولكن صدقنى، أنت لم تمت يا درّة، لقد عشت طويلاً أطول مما تتخيل يا ابن المخيم، لقد صنعت باستشهادك رجالاً يهرولون خلف دمك يسعون للقصاص لك لإحياء حلمك، لقد ألهمت جيلاً ثار للحق والعدل والحرية فى مصر، ويومًا ما ستعود إلى منزلك الذى هجّرت منه الاحتلال عام 1948، يومًا ما سيعود أجدادك ليحرثوا أرضهم، لا يزال الزيتون على غصنه ينتظر أيديهم لتحصده، وكلى ثقة بأن الجيل الذى شهد الثورة سيغدو أقوى منى وسوف يثور مجددا ويعيد كل حق لأصحابه.

كريم فريد يكتب : رسالة إلي صديقي محمد الدرة

Advertisements