كريم فريد: سيدي الفاضل, من حق ابنتك اختيار رفيقهـا

كريم فريد: سيدي الفاضل, من حق ابنتك اختيار رفيقهـا

 

 

السيد الدكتور …..

                         بعد التحية;

اليوم يعبر حفيدك العام العشرين له على هذه الأرض, تحتفل به أمه بعدما رزقت بأخت له تصغره بـخمس سنوات مروا عجاف بسبب عدم إحساسها بالأمان والاستقرار مع زوجها, وأعقبهم عشرة أعوام أخر تبتسم لأجلهم وتحاول أن تفني أيامها في الحياة بين قاعات الجامعات وآسرة ولدها وبنتها.

 

دائما ما كانت تفكر في سبب زواجها وما آل إليه حالها وحال أختها الصغرى, التي تبيت ليلتها الآن ترتعد متشبثة بسريرها, ويلتصق وجهها بالحائط, خائفة من الظلام خلفها, بعدما فقدت الأمان والدفئ أثناء مرورها بربيع تلك السنة.

 

ربيع ذلك العام لم تتفتح فيه الزهور بعدما أطاحت نسماته بدعامات أستند عليها هدوء منزلكم لسنوات, كان يمر عبر النوافذ بهدوء بين يدي أبنتك الصغرى, تحمله إليكم لترسم أبتسامة ولو صغيره على وجوهكم وأن ترى دموع البهجة تخرج عنوة من بين جفونكم لتعبر عن ما تخفيه صدوركم من حب تجاهها.

 

بمزيج من مشاعر الأبوة والخوف عليها والحرص على انتقاء ما تحمله الألسنة عنك, أبيت أن يمر الربيع بـسلام وحولت أمنيات أبنتك لقطعة فنية مبهرة, تمثل جزء من أكثر أفلام السيدة أمينة رزق أسى وألم, حولت مسار دموع الفرح من عينك إلى عينها, ولكنهـا أنهمرت دماء من الجراح التي صنعتها بإتقان في صميم قلبها وكرامتها.

 

 

يا سيدي الفاضل, أعلم أنك تنظر لها الآن, من مكانك هناك بعدما رحلت عن دنيانا المعهودة الملموسة, أعلم أنك تركت لها إرث قيم, مجموعة من الأبحاث والألقاب وأموال وما يشبه ذلك, ولكنك رحلت وأخذت معك نسمات الربيع بعدما منعت عنها دفئ الحب والسعادة, دون أن تنظر إلى ذلك اليوم البعيد, إلى ليلة الأول من يناير للعام الثلاثين بعد ألفي سنة سبقوه.

 

ظننت أنك تورث لها كنز, ولكنه يباع في سوق عرفت بالغش تجيد صناعة المظهر لتغطي به جوهر فاسد, سعيت لمنحها سلعة استهلاكية تفسد بمرور الوقت وتحدثت بكل ثقة عن كونها معمرة, ولكن الحب والمودة والرحمة لا يباعوا ولا يشتروا بمهر أو بجلستين في صالون بيتكم الكريم.

 

تلك الليلة تحدثت معك بصوت خافت يغلبه الحياء وألقت على مسامعك كلمات من أحد كتب الحب عن شخص أرادت أن تمسك يده بيدها ليكتبا معا سطور الحياة, حدثتك عن حبيب يصغرها بعدة سنوات ولكن قلبه يحتضنها, وعن حلم أرادوا أن يكون واقعا, أساسه التحدي وبناءه الحب وقمته النجاح والسعادة معا.

 

أرادوا أن يعيشا معا في واقع لا يعتمد على ما يملكه من مال ولا ما تريده من مظهر أجتماعي ملائم, فحبيبها لم يحمل شهادة الماجستير ولم يسعى للدراسات العليا مثلك أنت وأبنتك الكبرى, ولكنه أراد أن يكون ذاته, أن يحيا حلمه بعدما نجح في عبور جبال من صعاب التقاليد والبيروقراطية ولكنك أردت أن تكون الصخرة التي تنتهي عندها خطاهم ولم تترك لهما حتى خيار تسلقها والسقوط في الهاوية التي تخبئها خلفك .. سويا.

 

لعبت دور السجان ببراعة, كسرت ودمرت نفس حملت لك الحب, دفعتها لترى حبيبها عبر قضبان بنيتها داخل منزل ادعيت كثيرا أنه صومعة للحب والحرية, وبالرغم مما هدمت داخلها, خافت أن تجرحك شظايا تحطيمها لسجنك, فجلست في سريرها مجلس الجنين في بطن أمه, اعتادت مجلسها والظلام.

 

يا أبي, أو يا من تمني حبيبها يوما أن يكون لك ابنا, وكان يفخر بك بنفس قدر اعتزازه بذاته, ليتك تركت نسمات الربيع تمر, ليتك حملتها مع ابنتك, ليتك منحته يداها ليسيرا معا, ربما كانت ليلتهما اليوم مختلفة عن الواقع الذي فرضته عليهما.

 

ربما يحمل لك الصاعدون إلى السماء رسالة منهما بدايتها سلام ونهايتها نتذكرك ونذكرك وندعو لك, بدلا من كونك اليوم منسيا بعدما خلت الألسنة من اسمك لسنوات بعد رحيلك وأنت من قيدت الربيع في غرفة مظلمة لأجل تلك الألسنة.

 

** كل منا في أعماق نفسه يقبع شخص متمرد علي تقاليد وعادات أجتماعية لم تعد صالحه للزمان والمكان، الواقع يتطور سريعا ولابد أن يواكبه تطور في الأفكار والأساليب وإلا سيسقط مجتمعنا في هوة الرجعية, لأن موكب المستقبل لن ينتظر العالقين في الماضي.

image

Advertisements