من باحث عن شرعية مفقودة إلى مخبر سري – تقرير

مخبر سري، قصته المليئة بالتناقضات والتحولات الحادة بدعم من فضولي الصحفي، دفعاني لإجراء حوار معه، يكشف تأثير الصراع الدائر في الشوارع والقنوات الفضائية علي بسطاء النفوس والعقول.  تقرير: كريم فريد

مخبر سري، قصته المليئة بالتناقضات والتحولات الحادة بدعم من فضولي الصحفي، دفعاني لإجراء حوار معه، يكشف تأثير الصراع الدائر في الشوارع والقنوات الفضائية علي بسطاء النفوس والعقول.
تقرير: كريم فريد

تقرير: كريم فريد

 

يسير في مسيرات الإخوان يتابع أخبارهم عن قرب، يتقرب من قياداتهم ويجمع معلومات بقدر استطاعته، ينتشر في أوساطهم مقدما نفسه على أنه أحد الباحثين عن الشرعية المفقودة ولكنه .. مخبر سري.

بالرغم من الشبهات التي تحوم حول تلك المهنة ولكن قصته وما تحمله من تناقضات بدعم من فضولي الصحفي دفعاني للحديث معه محاولا الوصول إلى صورة مقربة لما يحدث في الشارع، لا تستطيع الكاميرا التقاطها ولن يتحدث عنها أحد ضيوف البرامج الحوارية أو أحد أطراف الصراع الدائر في كل شوارع مصر.

ت م, طالب جامعي 22 سنة، قرر بمحض إرادته التوجه إلى أحد أقسام الشرطة ليقدم خدماته كمصدر معلومات دون مقابل, طلب مني إخفاء هويته حتى لا ينفضح أمره وحقيقة تواجده في أوساط الإسلاميين وقص علي الملابسات التي دفعته للمشاركة في فعاليات الجماعة ثم تطوعه للعمل مصدر معلوماتي للشرطة.

 

عن طريق فتاة تجمعه بها علاقة حب، بدأت علاقته بمظاهرات جماعة الإخوان عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي، حدثته عن حق مسلوب وشرعية مغتصبة لابد من استردادها ولو بالدماء، كانت تتصل به لتخبره عن موعد التظاهرات قبل انطلاقها بنصف ساعة حفاظا على السرية –كما أخبرته-.

 

الفتاة التي تنتمي تنظيميا لجماعة الإخوان أهتمت به وأحاطته برعايتها وبدأت تطلب منه المشاركة في مظاهرات أنصار الشرعية التي تخرج من المعهد الذي يدرس به، وشارك بالفعل حتى أصبح أحد رموز مقاومة ما يسمونه بالإنقلاب في ذلك المعهد، ولكن لم يسر معصوب العينين خلفها طويلا.

 

مثل الآلاف، هو واحد ممن تأثروا بفض اعتصامي أنصار المعزول بميداني رابعة العدوية والنهضة، ولكن لم تكن حالة الشحن العاطفي التي حدثت له جراء الأحداث في صالح الإخوان.

 

في محافظته البعيدة نسبيا عن العاصمة، ردد  أنصار المعزول أن قوات الأمن المشاركة في فض الاعتصامين قتلت ما يزيد عن ثمانية ألاف معتصم، مما صدمة ودفعه للبحث عن مصدر أخر للمعلومات فبدأ في متابعة القنوات الإخبارية التي كان دائما ما يتهمونها بالحرب على الإسلام، ووجد أن أعداد القتلى أقل كثيرا مما يشيعون و شاهد العديد من الفيديوهات ثتبت أن هناك ضحايا من قوات الأمن سقطوا برصاص مسلحين تابعين للإخوان وقرر أن ينهي كل علاقة له بهم حينما رأى فيديو تمثيل المنتمين للتيار الإسلامي بجثث من كانوا بداخل مدرعة سقطت من أعلي كوبري أكتوبر بخطأ من سائقها.

 

مساء الرابع عشر من أغسطس، بعد فض الاعتصامين، نزل المئات من أنصار المعزول إلى شوارع محافظته ليصبوا جمام غضبهم على قوات الشرطة والجيش، ونزل معهم ليرى ما يحدث، وكيف كانوا يفتكون بكل من يشتبه بأنه شرطي أو من أنصار الفريق السيسي ومعارض لعودة الشرعية، وأنه لم يستطع أن يتمالك غضبه عندما رآهم يعتدون على بنت في مقتبل عمرها ويجذبونها خارج سيارتها بعدما هشموها تماما ويضربونها في الشارع ومن لم يستطع الضرب يتحرش بها بملامسة جسدها.

 

عقب هذا الحدث الأخير، توجه “ت م” لأحد أمناء الشرطة ويدعى رضا وسأله عن الطرق المتاحة لمساعدة الشرطة في مواجهة الإخوان، وهو الأمر الذي لم يفرط فيه أمين الشرطة، فطلب منه الاستمرار في المشاركة في مسيرات الإخوان وتصويرهم قدر استطاعته وإبلاغه بتحركاتهم.

 

“الناس دي كويسة ومابتعملش حاجة وحشة لحد, وبيتعبوا ومهددين بالقتل لأنهم بيدوروا على حقوق الناس, أنا بقى حلمي أكون ضابط شرطة بسبب أحمد بيه” قال “ت م”، وتابع بأنه الآن يساعد الشرطة ويعرض نفسه للخطر بدافع من احترامه لهم.

 

وجهت له العديد من الأسئلة عن التجاوزات التي يرصدها أثناء مشاركته في مسيرات أنصار المعزول وعن وجود مسلحين بينهم وعن دور القيادات في تحريكهم والدعوة للمسيرات والمواجهات مع قوات الأمن، وبدأ في سرد ما شاهده بعينه وما سمع بنفسه.

 

” ماشوفتش سلاح معاهم في الفترة الأخيرة بأستثناء مرتين، الأولى كان قائد المسيرة ملثم ومعاه بندقية خرطوش والتانية بعد فض رابعة شوفت 3 ملثمين معاهم بنادق آلية واستخدموها في ضرب الشرطة بعد ما حرقوا كنيسة الراعي الصالح” قال ردا على أسئلتي.

 

وأضاف أنهم لا يستخدمون السلاح كثيرا ولكن يتواجد شخصين بصفة دائما بين المتظاهرين يحملون معهم أعداد كبيرة من الألعاب النارية “البراشوتات والشماريخ” ويوزعونهم على أشخاص معينين في المسيرة ليتم استخدامهم حينما تصل الشرطة.

 

وأوضح أن المتظاهرين يستخدمون “البراشوتات” لأنها يمكنها أن تسبب إصابات بالغة إذا تم إطلاقها من مسافة قريبة نسبيا وبالفعل أصابوا عدد من الجنود والضباط خلال الفترة التي تلت فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.

 

وبسؤاله عن من يحرك مسيرات الإخوان ويضع خط السير، قال أن هناك قائد للمسيرة يحدده تحالف دعم الشرعية، هو من يحركها وأنه يأمر الشباب بالتوجه إلى مقدمة المسيرة لمواجهة الشرطة من  الصفوف الأولى، ودائما ما يختفي عندما تبدأ الإشتباكات ويترك الشباب في المواجهة.

 

وتابع أن عندما يقع مصابين بين صفوف متظاهري الإخوان يرفضون أن تحملهم سيارات الإسعاف إلى أيا من المستشفيات الحكومية وينقلوهم إلى عيادة طبيب اخواني بأحد أحياء المدينة ولا يسمح لأحد بمعرفة موقعه إلا أشخاص معدودين من مسؤولياتهم نقل المصابين إليه.

 

ربما قصة المخبر السري ليست الاثرى أو الأكثر أهمية، ولكنها تظهر جانب خفي من صورة متداولة، وتوضح تأثير الإعلام على المجتمع وما تفعله كل الوسائل الإعلامية الموجهه من تأجيج لحالة الاستقطاب بين معسكري الصراع السياسي في مصر، وكيف يلعب كل طرف على عقل المواطن فيقذف أفكاره من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون أن يقف في المنتصف للحظات ليبحث عن الحقيقة والإعتدال.

 

** نشر بمجلة 7 أيام بتاريخ 29 أبريل 2014

Advertisements