هنا شمال سيناء | من مذكرات بونتو عجوز – الحلقة الثالثة

من مذكرات بونتو عجوز - الحلقة الثالثة       

من مذكرات بونتو عجوز – الحلقة الثالثة

       

           

كريم فريد

 

تكرر الغياب وتكررت الأزمات، ولم أعد أعلم ما الذي يجب علي فعله لأحافظ عليه إلى جواري، لا يهجرني ولا يغيب عني، وتعود ليالينا الرومانسية في شوارع القاهرة.

 

شاردا ذهنه في ما وراء قناة السويس، وقف يصب لنفسه كوب من الشاي حتى امتلئ عن أخره وفاض القليل علي أرضية المطبخ، وضع الملعقة وأدراها داخل الكوب عدة دورات، سحبها واستمر دوران الماء داخل الكوب، رفعها إلى فمه وهو ينظر إلى دوامة الشاي الصغيرة، رشف رشفته الأولى، ووضع الكوب وذهب..

 

هذه المرة، قرر كريم السفر فجأة إلى شمال سيناء، حاولت منعه وتنبيهه إلى خطورة ما يقدم عليه، وأعلنت عصياني وأوقفت محركي عن العمل ليعلم كم أنا مستاءه، ولكنه تخلى عني وتركني.

 

حمل الكاميرا على كتفه وما خف وزنة وصغر حجمه من احتياجاته بداخل شنطة صغيرة حملها على ظهره، وأسرع الخطى على الطريق إلى سيناء وتركني وترك أمه خلفه تعنفه في سرها بعدما ترك كوب الشاي دون أن يشربه.

 

ظاهريا، كنت غاضبة عليه، ولكن من كل قلبي تمنيت أن يعود إلى حضني سالما، وهل غضب الحبيبة على المحبوب سبب للكره والإنتقام؟ أبدا .. محركي كان يرتجف لغيابه ورفضت أن يعمل حتى يعود المسافر.

 

أنا الأنثى التي ترفض أن يلمسها غير حبيبها وهو الرجل الذي يغار علي، ويرفض أن يلمسني غيره ويحافظ علي كأني عضو من أعضاء جسمه.

 

تزامن بزوغ الأشعة الأولى لشمس اليوم الجديد مع عبور كريم لقناة السويس، أعتدل في جلسته في المقعد الأمامي لسيارة أجرة قديمة متهالكة، وخفت أجفانه المحمله بالنوم، لتسابق السيارة في استكشاف تفاصيل الطريق إلى سيناء المجهولة.

 

وركضت مقلتاه على الطريق باحثة عن سيارات دفع رباعي يعتليها مسلحين ملثمين يرفعون أعلام الجهاد، ولم يخب ظنه.

 

أقتربت سيارة الأجرة من حواجز تسد الطريق كتب عليها “مديرية أمن شمال سيناء”، ألقى سيجارته المشتعلة، وأخرج بطاقته الشخصية مستعدا لإبرازها لضابط نقطة الإرتكاز الأمني، وقطع تركيزه سؤال السائق له ” معاك اتنين جنيه فكه؟” ..

 

بعبور السيارة للحواجز ووصولها إلى نقطة الإرتكاز الأمني، عبر الطريق شخص يرتدي جلباب أسود ليوقف السيارة ويمد السائق يده له وبها جنيهاً ويقول له ” معلش يا معلم مش معايا فكة، اعوضهالك المرة الجاية” ..

 

أشار إليه صاحب الجلباب الأسود برأسه لتكمل السيارة سيرها ويعود الشخص الغريب إلى “كشك السجائر” الذي أقامه بداخل نقطة “المثلث” لتأمين طريق “القنطرة – العريش”.

 

اتسعت حدقتا عينا كريم، وفُتح فمه لا إراديا وظل لدقائق حبيس الذهول، قبل أن يستجمع قواه ويبدأ في الاستفسار عن ما حدث..

 

كريم: هو مش ده كمين شرطة؟

 

السائق: أه.

 

كريم متعجبا: ومش ده راجل فاتح كشك في الكمين؟

 

السائق مبتسما: أه.

 

كريم متابعا حديثه مستنكرا: وهو دلوقتي خد منك اتاوة؟

 

ينظر السائق نحو كريم ويجيب ضاحكا: أه

 

يسأله كريم صارخا وهو يحاول استيعاب ما حدث: أومال إيه اللي جاب الراجل بتاع “أين أشيائي” ده هنا وفين الظباط وفين الكمين!!!

 

يقهقه السائق لثوان قبل أن يلتف إلى كريم، وفي هذه الأثناء أمتلئ عقل كريم بألاف الأسئلة عن هوية الشخص المريب، وعن المجهول الذي سيلاقيه في الخطوات القادمة إلى سيناء إن كانت المشاهد الأولى بهذا الشكل.

 

وأوقف سيل أسئلة كريم كلمات السائق التي خرجت من بين تعبيرات وجهه الضاحك على رد فعل كريم عقب الموقف.

 

“يا بيه الموضوع بسيط، كان في كمين هنا، هاجمه الإرهابيين، سابته الشرطة ومشيت وجه الراجل ده وقف هنا عشان يسترزق”

 

 

وبهذا الرد، تحولت كل هواجس كريم إلى ضحكات لم يستطع تمالك نفسه ليمنعها، مرددا “على رأيك، الموضوع بسيط، بسيط جدا جدا”.

 

 

وأكملت السيارة طريقها بين كثبان رملية تحتضن النخيل وأشجار الزيتون, بينما تركت ذهن كريم عالق في نقطة الأرتكاز الأمني سابقا, قبل أن يعود بعد فترة ويطلب من السائق تشغيل أغنية ” أنا خدت الضربة بجد”.

 

  

 

اقرأ أيضا ..

الحلقة الأولى – بداية الحكاية 

الحلقة الثانية – الفقراء يمتنعون

Advertisements