رفح المصرية .. كثير من الرصاص وقليل من العناية ( تحقيق )

 

 

أحد أطفال مدينة رفح

أحد أطفال مدينة رفح

 

 

تحقيق: كريم فريد.

 

 

طريق ضيق تشقه سيارة أجرة في الصباح الباكر بين كثبان رملية تحتضن أشجار الزيتون، يلتف حول نقاط  تمركز قوات الجيش على الطرق الرئيسية، ويحده بيوت أغلبها بدائية بدوية أقرب إلى الخيام وأساسها جذوع النخيل وسقفها الجريد وبعضها بنيت بالحجارة لتكون بارتفاع طابق واحد.

 

الطريق بين مدينتي العريش ورفح الحدودية يصطدم بـنقطة الارتكاز الأمني بـالريسة، تكتظ السيارات في أنتظار فتح الطريق أمام المسافرين إلى رفح، مما يدفع المسافرين من أبناء سيناء إلى سلك الدروب الوعرة البديلة للطريق الرئيسي لقضاء حوائجهم في المدينة التي  تنتهي الحياة فيها مع آذان العصر أو أبكر قليلا، وعلى القادمين من خارجها محاولة المرور في وقت لاحق.

طريق ضيق تشقه سيارة أجرة في الصباح الباكر بين كثبان رملية تحتضن أشجار الزيتون

طريق ضيق تشقه سيارة أجرة في الصباح الباكر بين كثبان رملية تحتضن أشجار الزيتون

 

 

“المنطقة دي حصل فيها معظم الحوادث الإرهابية” قال السائق عندما عادت إطارات السيارة بعد عناء إلى الطريق الرئيسي، أثناء تفاديه لحفرة كبيرة في منتصف الطريق التي بدت وانها نتجت عن قذيفة.

 

وبسؤاله عنها, أوضح أنها نتجت عن لغم أرضي زرعه “الإرهابين” وأستهدف مدرعة تابعة للجيش؛ وأدي الإنفجار إلى استشهاد مجند وإصابة 4 أخرين.

 

وأضاف أن منطقة “سدوت” شهدت معظم عمليات استهداف وأغتيال جنود الجيش المصري على يد الإرهابيين ورد الجيش على ذلك بهدم البيوت المحيطة بموقع الإنفجار وشرد عشرات الأسر.

 

“معبر رفح قدامنا دلوقتي بعد الكمين ده, تقدر تشوفه من هنا” قال السائق – الذي رفض أن ينشر اسمه – أثناء عبورنا لحواجز نقطة الإرتكاز الأمني موضحا أنها الأخيرة وأننا قد وصلنا إلى مدينة رفح أخيرا.

 

مدينة صغيرة، شوارعها تكاد أن تكون خالية من حركة السيارات المعتادة في المدن، تكثر الأشجار على جوانب طرقاتها، ولا تخلو جدران بيوتها من أثار الرصاص، إن سُئِل السكان عن مُطلقِه؛ يتجادلون إن كان الجيش أو الإرهابيين.

 

قوات الجيش - معبر رفح - شمال سيناء

“معبر رفح قدامنا دلوقتي بعد الكمين ده, تقدر تشوفه من هنا” قال السائق

ترى الأسى في عيون قاطنيها وملامح وجوههم، وتتستتر أجسادهم على أمراض عدة نتيجة لندرة المياة الصالحة للشرب.

 

“في عربيات بتجيبلنا كل أسبوع مياة الشرب، بنخزنها ونشرب منها” قال أحد السكان موضحا سبب مرارة طعم المياة.

 

 

أن تشرب كوب من المياة، أن تتحدث إلى شخص ما عبر الهاتف، أن تتنقل من مكان إلى أخر، أن تلتقط صورة لشوارع المدينة، أن تنام في هدوء، بوصولك إلى رفح؛ تتحول تفاصيل الحياة الطبيعية إلى انتصارات كبيرة يجب أن تبذل ما يكفي من الجهد لكي تحققها.

 

عودة شبكات الإتصالات إلى العمل خبر مبهج يتناقله سكان المدينة، ويحاولون أن يجروا كل الإتصالات الضرورية قبل أن ينقطع الإرسال مجددا، ويبدون تذمرهم من الإنقطاع الدائم للإرسال ويقولون أن “سيناء خارج التغطية”.

 

ويوضح أحد السكان المبررات التي تساق لهم قائلا “الجيش بيقطع الإتصالات والإنترنت لما يكون خارج في  عملية مداهمة عشان الإرهابيين بيستخدموا شرائح الإتصالات في تفجير القنابل”.

 

في رفح، يضعف إرسال الشبكات المصرية وتكاد أن تختفي من على الهاتف، وتظهر شبكات فلسطينية وإسرائيلية مثل Orange و جوال و Cellphone.

في رفح، يضعف إرسال الشبكات المصرية وتكاد أن تختفي من على الهاتف، وتظهر شبكات فلسطينية وإسرائيلية مثل Orange و جوال و Cellphone.

في رفح، يضعف إرسال الشبكات المصرية وتكاد أن تختفي من على الهاتف، وتظهر شبكات فلسطينية وإسرائيلية مثل Orange و جوال و Cellphone.

 

دقت الساعة الرابعة من مساء اليوم، يقول أحد السكان أن نقاط الارتكاز الأمني على الطرق خارج المدينة الآن قد أغلقت حواجزها ويمنع أي شخص من المرور عبرها، ويجب أن يلزم المواطنين منازلهم، ولكنهم يتحركون بالقرب منها دون أن يخرجوا على الطريق، حتى لا يشتبه فيهم أحد الجنود ويبادر بإطلاق النيران تجاههم مثلما حدث مرات عدة من قبل.

 

“الجيش مانع أي حد يطلع على سطوح العمارة، لأن الإرهابيين كانوا بيطلعوا يضربوا رصاص عليه من فوق” رد أحد السكان على طلبي بالصعود أعلى أحد الأسطح لأتمكن رؤية المدينة مليا.

 

في هذه الأثناء تتحول رفح إلى مدينة تسكنها المخاوف المتبادلة، قوات الأمن متأهبة لهجمات إرهابية وتطلق الرصاص التحذيري في الهواء بين الحين والأخر، والسكان يتخوفون من الجيش ومن الإرهابيين، ويخافون خرق أحدي المحظورات حتى لا يتعرضون لعقاب رادع من الجيش.

 

في تلك الليلة لم يكن الرصاص المتبادل بين الجيش والإرهابيين وحده الذي يخترق الهواء في محيط المدينة الحدودية، صاحبه إنفجارات عنيفة هزت الشريط الحدودي الفاصل بين مصر وفلسطين المحتلة نتجت عن قصف للطائرات الإسرائيلية التي يمكنك أن تراها بعينك المجردة.

 

حينها، تحول سكان رفح إلى فريسة لأصوات طائرات المحتل الإسرائيلي التي تجوب السماء أعلاهم لتطلق صواريخها على الفلسطينيين قاطني قطاع غزة على يمينهم، وعلى يسارهم يتحرك في الظلام مدرعات الجيش المصري لتطلق الرصاص على مهاجميهم من المسلحين الذين يعتلون سيارات دفع رباعي تجوب الصحراء والطرق الوعرة للفرار.

 

وبالرغم من كل الأخطار المحتملة التي تحيط بالمدينة، يستمر لهو الأطفال في شوارعها الخالية من سواهم حتى ساعة متأخرة من الليل، ويبدون كأنهم لا يبالوا بما حولهم، لأنهم أعتادوا على أصوات الرصاص والإنفجارت كما قال أحد السكان.

 

ولا يخلو الشارع منهم، إلا بمرور مدرعات للجيش في أحد شوارع المدينة، مسرعة مطلقة للرصاص التحذيري في الهواء، حينها يركض الأطفال إلى جانبي الطريق ويركض البالغين إلى داخل البيوت خوفا من أن يلقى القبض عليهم، أو أن يعنفهم أحد ضباط الجيش أو يعتدي عليهم لفظيا أو بدنيا لتواجدهم في الشارع وخرقهم لحظر التجول.

 

صورة لمدينة رفح من أحد منازلها

صورة لمدينة رفح من أحد منازلها


“قدمت على وظيفة في الإسعاف هنا في شمال سينا، والحكومة مقبلتش الطلب وجابت ناس من خارجها، احنا بنعاني من التهميش” قال أحد السكان والذي رفض أن ينشر اسمه، متعجبا من تعنت الحكومة مع أهالي رفح ومنعهم من الالتحاق بالوظائف الحكومية.

 

مع شروق الشمس من جديد، دبت الحياة في شوارع رفح الحدودية وبدأ معها يوم قصير جديد من أيام سكانها لا يتعدي طوله العشر ساعات، من السادسة صباحا وحتى ميعاد حظر التجول في الرابعة من مساء اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements