جنين في رحم المكتب | من مذكرات بونتو عجوز – الحلقة الرابعة

 

من مذكرات بونتو عجوز

من مذكرات بونتو عجوز

 

في ليلة صيفية يضيئها القمر، تسلل النسيم البارد عبر نوافذي إلى وجه كريم المتعب بعد يوم حار قضيناه سويا بين قضبان شوارع القاهرة المزدحمة.

تلك الليلة، سرت أدندن “صدقنى خلاص .. من بين الناس .. حبيتك واخترتك ليا”، خرجت مني الكلمات برقة لتداعب أذني كريم قبل أن تشد أنتباهه ويستعيد ذهنه صورا لم تمحي بالرغم من مرور السنوات.

سار واثقا بين ثنايا ذكريات المراهقة، حينما تذوق الحب لأول مرة، ورشف من نبعه قطرات زادت عطشه ورغبته في أن ينهل منه المزيد.

تنهيدة حارة خرجت من بين شفتيه، أستدعت معها لحظات العشق الأول ودقات القلب الأولى أمام عينين خضراوتين شاء القدر لهما أن يلتقيا عيني كريم الشاردتين.

في تلك الليلة قبل سنوات، أمسك بيدها اليسرى ووضعت يدها اليمنى على صدره، ضمها إليه برفق وعيناه لا تفلت زمام ملامح وجهها المكسو بحمرة الخجل، وبدأت أقدامهما تتحرك بتناغم مع الموسيقى.

زادت حرارة أنفاسهما، ووصل خفقان قلبيهما إلى ذروته، تكاد أن تسمعه أذانهما أعلى من صوت الموسيقى، ولم يكن ارتباكه أقل شدة من حمرة خديها.

بعد لحظات من الصمت مروا كألف عام، أقترب بشفتيه من أذنها، وأطلق تنهيدة غزت مسام رقبتها، خرج صوته خافتا مرتبكا متمتما بكلمات شكر عن العشاء الذي أعدته له على ضوء الشموع، معبرا عن أمتنانه لها لأن اليوم يعيش واقعا؛ كثيرا ما عاشه حلما.

أزدادت دقات قلبها حتى كادت ترج صدر كريم من شدتها، رفع رأسه برفق ووجه نظراته مباشرة إلي عينيها، وعندما هربت منه أقترب منها مجددا ليداعب أنفها بأنفه، ويسرق بعض من أنفاسها ليملئ بهوائهم رئتيه، ضمها بشده وأغمض عينيه .. ووضع قبلته الأولى على رأسها.

في تلك الأثناء، تلاشى صوت الموسيقي في الفضاء المحيط بهما ولم يبقي سوى صوت قلبيهما وأنفاسهما، وتابعا الرقص دون أن ينتبهوا للموسيقى أو لما يدور حولهما، قبل أن يفيقهما صوت زاعق صدر عن جرس الباب.

اليوم يبتسم كريم حينما يتذكر ذلك الموقف، ولكن حينها لم تبتسم شفتيه إطلاقا، كان فقط يرتجف قلبه من شدة خفقانه، وهو المتوقع طبعا, لأن القلب يدق بشدة في حالتين فقط .. لحظات الحب أو الخوف.

تسمرا في مكانيهما، تبادلا النظرات ودار في بالهما أكثر الأفكار رعبا حول هوية الطارق وما يمكن أن يحدث في اللحظات القادمة، قبل أن تتوجه هي نحو الباب.

ركضت لتنظر من العين السحرية للباب, ولتجد أباها قد عاد مبكرا ويقف الآن أمام الباب، وقفت مكانها لا تدري أين المخرج من هذا الموقف، حبيبها خلف الباب وأبيها أمامه.

على بعد خطوات منها، يجمع كريم متعلقاته بسرعه، ويفكر في كل السيناريوهات المتوقعه، بداية من أن تتصدر صورته صفحة الحوادث في اليوم التالي أسفل عنوان ” أب يقتل أبنته وحبيبها”، مرورا بما يمكن أن يتلقاه خده من لطمات يد أبيها عليه.

دفعته بسرعة نحو غرفتها، نظرا إلى أرجاء الغرفة مليا، ووقعت عيناهما على المكتب الملاصق للحائط بجوار باب الشرفة، توجه نحوه مباشرة وجلس أسفله، وأحضرت هي قطعة من قماش المزخرف تغطي بها المكتب، أطفأت الضوء، وذهبت لتفتح الباب لوالدها الذي ظل يطرق الباب بشدة قرابة العشر دقائق.

جلس كريم في وضع الجنين في بطن المكتب الخشبي، تسابقت الأفكار المرعبة إلى ذهنه، تمتمت شفتاه بالمسبات لكل من يحرم الحب ولكل عوائق التي منعته عن حبيبته ودفعته إلى أن يراها خلسة.

خرج العرق من بين مسام جلده أنهارا فاضت لتغرق ملابسه، وحارت حدقتا عيناه محاولة أن ترى ما يدور خارج ذلك المحبس الضيق، وأمتدت أذنه إلى ما خارج الغرفة …

لم يكن من الصعب عليه أن يسمع صراخ أبيها خارجا، أو يتخيل تعبيرات وجهه الغاضب أثناء إطلاقه لمدافع الأسئلة تجاهها عن سبب تأخرها في فتح الباب، أو سبب ارتدائها لذلك الفستان الذي لا يرتدى إلا في السهرات، أو لسبب وجود تلك الشموع المضاءه على طاولة الطعام.

زاد ارتباكها ولكنها ردت عليه في هدوء مصطنع، موضحة أنها فعلت كل هذا لتخلق لنفسها بيئة رومانسية لطيفة تنسيها كآبة الواقع، وتعجبت من استنكاره لفعلتها وطالبته بالهدوء، وتأسفت له عن تأخر استجابتها لدقاته على الباب، لأنها لم تسمع رنين جرس الباب بسبب صوت الموسيقى المرتفع وبسبب وجودها في الشرفة تستمتع بالهواء البارد وببهاء القمر بدرا.

أصبحت حدة لهجة أبيها أقل نسبيا وهو يطلب منها أن تحضر له كوبا من الشاي، وتركها وذهب إلي غرفة نومه ..

وبدأ كريم يسمع خطوات أقدامه تقترب، حبس أنفاسه وتأكد من أن أطرافه لا تظهر من أسفل المكتب، وتمنى أن لا يدخل أباها الغرفة.

أقتربت الخطوات من كريم، زاد إفرازه للعرق، وتخيل أن رائحة عرقه وحدها تكفي لفضح أمره، توقفت أقدام الأب أمام باب الشرفة مباشرة، ولا يفصله عن كريم في وضعية الجنين سوى عدة سنتيمترات، وقف الأب للحظات وتوقفت خلالهما رئتا كريم عن العمل دهرا، وأغمض عينيه في إنتظار يدا تمسك به وحنجرة تصرخ في وجهه .

في تلك اللحظات كان كريم يرتجف داخليا ويحاول أن يتماسك خارجيا كي لا ترتعش أطرافه، ويتمتم في داخلة بأدعية يستنجد بربه لينجيه، ويذكر الله أنه لم يفعل ذلك إلا لكونه يحبها، وهل يكون جزاء المحب النقيض؟

وقال لربه ” كل ما في الأمر أني المحب وهي الأحب إلى قلبي، ولكن مجتمعنا يكره الحب، يا الله أنت العالم بالنوايا وتعلم أني لم أذنب، فهل لك أن تخرجني مما أنا فيه ؟”

وخاطب كريم نفسه قائلا ” لابد أن أعطي وأدعو بصدق لكي أستحق أن يكرمني ربي”، فوعد ربه أن يخلص لحبه وحبيبته وإن طال الزمان وإن باعدت بينهما المسافات، وتمنى أن يكفيه هذا النذر ليخرجه من محشره هذا.

ظل يردد في سره “فأغشيناهم فهم لا يبصرون”، وبالفعل، لو أن أباها نظر إلى قدميه لرأي كريم واضحا جليا، ولكنه وقف للحظات ناظرا للشرفة وعاد من حيث آتى.

بعد قليل، أقتربت الخطوات مجددا، وأرتجف كريم مجددا، ولكن في هذه المرة أحضرت حبيبته كأس من العصير وأخرى من المياة ودخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.

أقتربت منه والدموع تترقرق في عينيها، جلست على الأرض بقربه، وأعتذرت له لكونهـا السبب فيما هو فيه، ومدت يدها إليه تمسح عرقه، وتطيب جراح كبريائه، وظل هو صامتا، ينظر إليها مليا وهو لايزال في وضع الجنين؛ وقال لها ” المرء منا يولد مرة واحدة، يخرج فيها من رحم أمه، ولا يدرى شيئا عن تسعة أشهر قضاهم بداخله، بلا أكسجين أو ماء، في رحم محكم الإغلاق لا يدخله الضوء. إن خرجت اليوم من هنا سالما سأكون ولدت مرتين، الأولى من رحم أمي والثانية من رحم حبك، وإن تألمت لحصار المجتمع لنا، ولكن هذه هي الحياة، والأكيد أن غدا سيكون اليوم الأول في حياتنا معا .. أحبك”.

وعدت مجددا للدندنة، وعلى صوتي لينقذ نفس كريم من هاوية ذكرياته؛ تغنيت بكلمات لعمرو دياب” حكاياتي اللي أنا عشتها، كلها تشبه بعضها، أولها غرام وتانيها أيام أنا بفرح فيها، وأخرها .. زيها زي غيرها”، أبتسم كريم مجددا وتابع القيادة وتذكر أنني بلا “فرامل” وإن شرد ذهنه مجددا في الماضي، لن تشرق شمس الغد إلا وهو نائم على سرير في إحدى مستشفيات القاهرة.

كريم فريد

 

اقرأ أيضا ..

الحلقة الأولى – بداية الحكاية 

الحلقة الثانية – الفقراء يمتنعون

الحلقة الثالثة – هنا شمال سيناء

Advertisements