كريم فريد : صهيونية ولكن .. النسخة الإسلامية

 كريم فريد: صهيونية ولكن .. النسخة الإسلامية

الشرق الأوسط، بؤرة ملؤها الصراعات والأزمات منذ أن خلقت دهستها أقدام كل القوى الاستعمارية التي نشأت منذ فجر التاريخ لتسرق قوت أهلها وتطردهم من بلادهم ليتناثروا في الأرض لاجئين وقتلى.

في بداية القرن العشرين، نشأت عصابات تتبنى الفكر الصهيوني المتطرف وتهدف لنصرة “اليهود المستضعفين” حتى تقيم وطنًا قوميًا لهم. لا يهم كم من القرون أفنى أهلها حياتهم بها لكي يعمرونها، ولا يهم التاريخ الذي سيزور أو الذكريات التي ستمحى في سبيل إقامة امبراطوريات استعمارية. ولا يوجد أرخص من دماء المواطنين لتسفك في سبيل الوصول إلى الحلم بإنشاء دولة “يهودية” أو خلافة “إسلامية”.

 

نشأت العصابات الصهيونية في كنف الانتداب البريطاني المحتل لأرض فلسطين، وبدأت في فرض سطوتها على قطع أراضي منفصلة ومنها تنطلق عملياتها الإرهابية تجاه الفلسطينيين أصحاب الأرض والحق.

 

ومن تلك النقطة، بدأت الدعايات الصهيونية للقوة اليهودية العائدة لاستعادة أرضهم التاريخية المسلوبة, من بين براثن من وصفوهم بسارقيها من العرب، وروجوا في كل صوب وحدب أنهم عائدون لاستعادة السيطرة على مقدساتهم حسبما أشاعوا.

 

في عام 1920 نشأت عصابة الهجاناه الصهيونية المسلحة الساعية  للوصول للأهداف السابق ذكرها بالاستحواذ على الأراضي الفلسطينية وإنشاء “الدولة اليهودية”، ومن ثم توالت نشأة العصابات المشابهه  مثل الأرجون والبالماخ،  قبل أن تتوحد تحت راية ما اسموه بجيش الدفاع الإسرائيلي بعد إعلان قيام “دولة إسرائيل اليهودية” في مايو 1948.

 

ولم تعلن الحكومة البريطانية المحتلة لفلسطين  اعترافها بتلك المنظمات على الرغم من نشأتها برعايتها وتحت أنظارها، بل على العكس نشبت عدد من الصراعات فيما بينهما، القوات البريطانية من جهة والعصابات الصهيونيه من جهة اخرى, حتى أعلنت الحكومة البريطانية أن منظمة الأرجون الصهيونية جماعة إرهابية في عام 1931.

 

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية،  قامت منظمة الهاجاناه الإرهابية بشن حملة مناهضة للقوات البريطانية  في فلسطين مما أدى إلى تحرير المهاجرين الصهاينة الذين احتجزتهم القوات البريطانية في معسكر ((عتليت))  وقامت بنسف سكك الحديد بالمتفجرات ونظمت حملة هجمات تخريبية استهدفت مواقع الرادار ومراكز الشرطة البريطانية في فلسطين لدفع قوات الانتداب البريطاني لإعلان انسحابها من فلسطين وتركها في يد العصابات الصهيونية، فضلاً عن استمرار تلك العصابات في تنظيم الهجرات الصهيونية غير المشروعة من جميع أنحاء العالم إلى فلسطين كما قامت بتنفيذ مجازر ضد المدنيين الفلسطينيين بغرض إجلائهم عن المدن والقرى الفلسطينية لتقام المستوطنات الصهيونية على أنقاضها.

 

اعتمدت تلك  العصابات على سياسة الترهيب ونشر الذعر منها في كل البقاع الفلسطينية بارتكاب مجازر بشعة وبإبادة قرى فلسطينية بأكملها ونشر أخبار تلك المجازر على نطاق واسع.

 

في التاسع من أبريل لعام 1948، نفذت عصابة الأرجون أبرز تلك المجازر بهجومها على قرية دير ياسين الفلسطينية، وبقر بطون النساء الحوامل وذبح الرجال والأطفال والشيوخ، وقتل 254 فلسطيني من أبناء القرية.

 

 ويروى أن عصابة الأرجون أخذت عدداً من القرويين الأحياء ليجروهم بالسيارات في شوارع الأحياء اليهودية وسط هتافات اليهود، ثم العودة بالضحايا إلى قرية دير ياسين.

 

فكما روى مراسل صحفي عاصر المذبحة : “إنه شئ تأنف الوحوش نفسها ارتكابه لقد اتو بفتاة واغتصبوها بحضور أهلها ،ثم انتهوا منها وبدؤوا في تعذيبها فقطعوا نهديها ثم ألقوا بها في النار “.

 

شاعت أخبار المذبحة وشاع معها الذعر الذي كان أقوى من السلاح في الهجوم على القرى الفلسطينية ودفع أهلها للفرار منها خوفًا من تكرار المجزرة ولكن سيكونوا هم الضحايا. ولعدم قدرتهم على مقاومة اليهود لضعف تسليحهم وعتادهم الحربي ومقتل كل من قاوم اليهود، فروا إلى البلاد القريبة في انتظار تنفيذ الجيوش العربية لوعدها بتحرير فلسطين من العصابات الصهيونية ليعودوا إلى منازلهم بعد انتهاء الحرب.

 

ولكن العصابات الصهيونية اندمجت فيما بعد فيما سمي بجيش الدفاع الإسرائيلي وهزمت الجيوش العربية وسيطرت على ما يقرب من 50% من أرض فلسطين وأعلنت قيام الدولة اليهودية وفرضت سياسة الأمر الواقع بأن الآن هنالك دولة قائمة تسمى بإسرائيل لها كيان إداري، وأراضي تحت سيطرتها، ومواطنين يحملون جنسيتها، وجيش يحميها من أي أخطار متوقعة ونجح في رفع أعلامها على الأراض التي سيطر عليها.

 

ولكن اسرائيل لم تكتف بما سرقته، بل أنها حاولت ان توسع رقعتها الإستيطانية باحتلال سيناء والجولان وأراضي الضفة الغربية لنهر الأردن وجنوب لبنان، وسبقهم إلى تلك المناطق دعايات “دولة اسرائيل من النيل إلى الفرات” و”الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر”.

 

ولم تكن تلك هي النهاية إذ نتج عنها ما يقرب من مليون لاجئ من الفلسطينيين تناثروا في الدول العربية والأوروبية بما تبقى لهم من ذكريات. متوقعين أن يعودوا إلى أرضهم ومنازلهم بعد انتهاء الحرب.

 

مر ما يقرب من 66 عاما، أصبحت الحرب نكبة، وأصبحت العودة حلم، وأصبحت إسرائيل واقع، وفلسطين من النهر إلى البحر ماض لن يعود، وأصبح الامل في حصول الفلسطينيين على حق إقامة دولتهم على 40 % أو أقل من فلسطين التاريخية.

 

في عام 2003 -عقب الغزو الأمريكي للعراق- نشأت جماعات مسلحة تتبني فكر متطرف وتدعي أنه إسلامي، أعلنت عن مقاومتها للإحتلال الأمريكي في العراق والحكومة الطائفية الشيعية التي تمخضت عنها عقب إزاحته لحكم صدام حسين.

 

بدأت تلك الجماعات في مبايعة أسامة بن لادن قائد تنظيم القاعدة، وأبرزهم تنظيم “الدولة الإسلامية في بلاد الرافدين” ومن ثم شن عمليات عبثية ضد الإحتلال الأمريكي وعمليات منظمة ضد معتنقي الفكر الشيعي في العراق بتفجير أماكن عبادتهم ومقدساتهم واستهداف قادتهم, حتى تحولت العراق لأرض تحتضن صراع طائفي بين السنة والشيعة.

 

وفي عام 2011 ومع انطلاق ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد المنتمي للطائفة العلوية، كانت تهدف الثورة في بدايتها إلى إزاحة نظام بشار الأسد ودفع سوريا نحو الديمقراطية وانتزاع الحرية التي قيدت طوال فترة حكم بشار الأسد وسلفه حافظ الأسد.

 

ولكن الجماعات المتطرفة لم ترض بتلك الأهداف ولا بالدرب السلمي للثورة السورية، وبدأت في استغلال التنوع الطائفي لمواطني سوريا في خلق صراع بين التوقف وتحويل مسار الثورة نحو الخلف، من اتجاهها نحو دولة ديموقراطية يتساوى مواطنيها في الحقوق والحريات وبكل حقوق المواطنة إلى دولة ذات لون طائفي واحد.

 

انطلقت دعوة الجهاد ضد نظام بشار “العلوى” وبدأت تنشأ جماعات “سنية” مسلحة, وتحول الصراع إلى طائفي, جيش بشار يرتكب مجازر وجرائم ضد الإنسانية بحق السنة وعصابات سنية تشكلت من متطرفين قدموا من كل أنحاء العالم ترتكب مجازر بحق المسيحيين والشيعة.

 

في تلك الأثناء، أبتلع تنظيم “الدولة الإسلامية في بلاد الرافدين” التنظيمات الأصغر والتي تقاتل على نفس الجبهة في العراق أو شمال سوريا وتعتنق نفس الفكر المتطرف، وقاتل التنظيمات التي رفضت إعلان ولائها له, وسيطر على المزيد من الأراضي في العراق والشام وأصبح في بداية عام 2013 اسمه “الدولة الاسلامية في العراق والشام – داعش” قبل أن يعلن مؤخرا قيام “دولة الخلافة الإسلامية”.

 

خطت التنظيمات الاسلامية المتطرفة كل تلك الخطوات عبر ارتكاب عشرات المجازر بحق المدنيين واستغلال مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لها ليشيعوا الذعر في نفوس الأخرين.

 

هربا من ويلات الحرب، فر ملايين السوريين من  مدنهم وقراهم ولجؤوا إلى دول الجوار وأوروبا تاركين وراءهم وطنهم يتمزق برصاص قوات الأسد في مواجهة رصاص التنظيمات المتطرفة بعدما اخرسوا كل الأصوات السلمية المطالبة بالديمقراطية.

 

انتشرت فيديوهات لوضع 1500 سوري في مدينة عدرا العمالية السورية في أفران لقتلهم، وأخرى لأفراد داعش وهم يجبرون أشخاص على حفر قبورهم بأيديهم قبل أن يقتلوا ويدفنوا بها، وصور لأفراد بداعش مبتسمين بجوار رؤوس فصلت عن أجساد ضحاياهم، وخنق امرأة أمام أطفالها، وقتل شاب لأنه يضع وشمًا، بالإضافة لمقاطع مصورة عن تهجيرهم لآلاف المسيحيين بالموصل شمال العراق وإجبارهم على ترك ديارهم.

 

في النصف الأول من القرن العشرين، لم تكن العصابات الصهيونية تملك أكثر من راديو وجواسيس ينتشرون لينشروا دعايتهم ويشيعوا الذعر وأخبار مجازرهم وجرائمهم بين ضحاياهم المحتملين. ولكن في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين وبعد التطور التكنولوجي الرهيب الذي حدث، استخدم إرهابيي “داعش” كل وسائل الإتصال الحديثة وموقع التواصل الإجتماعي لنشر مقاطع مصورة لجرائمها حتى هزمت أعداءها بالذعر والخوف، حتى فر من أمامها الجيش العراقي قبل أن تواجهه ودون أن تطلق رصاصة, ليخلف وراءه معداته وأسلحته لتغنم به التنظيمات المتطرفة وتقتل مواطني العراق والشام به فيما بعد.

 

استخدم الدواعش نفس أسلوب الصهاينة مع فرق التطور في السلاح والتطور التكنولوجي، واتبعوا نفس فكرهم مع اختلاف عقيدتهما بين اليهوديه والإسلام المتطرف.

 

الصهاينة أسسوا دولتهم “اليهودية” على أنقاض قرى ومدن فلسطينية بعد أن هجروا مواطنيها، وكذلك الدواعش أسسوا دولتهم “الإسلامية” على أنقاض مدن سكنها شيعة ومسيحيين وسنيين في شمال العراق وشمال سوريا.

 

الدولتان قامتا على أحلام استيطانية، وعلى جثث أصحاب الأرض الأصليين. الإرهاب منهجهما والقتل عندهما أبسط من التحدث بكلمات بسيطة، والدم أرخص من دخان التبغ. وأصبحت النكبة نكبتين الاولى في 1948 والثانية في 2014 وأصبح اللاجئون كثر، فلسطينيون وسوريون وعراقيون، ولا نعلم ما هي حدود أحلام المستعمرين الجدد، وكم من الدول ستدمر وكم من الشعوب سترى ويلات الحرب والدمار.

 

 

Advertisements